عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

178

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

نوم لأنهم ساهون : أي غافلون عن اللّه ، وكذلك أهل القيامة فإنهم ولو وقفوا بين يدي اللّه تعالى للمحاسبة ، فإنهم مع المحاسبة لا مع اللّه وهذا نوم لأنه غفلة عن الحضور ، ولكنهم أخفّ نوما من أهل البرزخ ، وكذلك أهل الجنة والنار فإن هؤلاء مع ما ينعمون به وهؤلاء مع ما يعذّبون به ، وهذا غفلة عن اللّه ونوم لا انتباه ، لكنهم أخفّ نوما من أهل الحشر ، فنومهم بمثابة السنة ، على أن كلا من أهل هذه العوالم وإن كانوا في نظر مع الحق من حيث الحق ، لأنه مع الوجود جميعه وهو القائل : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ « 1 » لكنهم معه بالنوم لا باليقظة ، فلا انتباه إلا لأهل الأعراف ومن في الكثيب فقط فإنهم مع اللّه ، وعلى قدر تجلى الحق عليهم يكون الانتباه ، ومن حصل له من اللّه في دار الدنيا بحكم التقدير ما تأخر لأهل الجنة في الكثيب فتجلى عليه الحق تعالى وعرفه فهو يقظان ، ولأجل هذا أخبر سيد أهل هذا المقام أن الناس نيام لأنه تيقظ وعرف ، فإذا عرفت أن أهل كل عالم محكوم عليهم بالنوم ، فاحكم على تلك العوالم جميعها أنها خيال ، لأن النوم عالم الخيال . ألا إنّ الوجود بلا محال * خيال في خيال في خيال ولا يقظان إلا أهل حقّ * مع الرحمن هم في كل حال وهم متفاوتون بلا خلاف * فيقظتهم على قدر الكمال هم الناس المشار إلى علاهم * لهم دون الورى كل التعالي حظوا بالذات والأوصاف طرّا * تعاظم شأنهم في ذي الجلال فطورا بالجلال على التذاذ * وطورا بالتلذذ بالجمال سرت لذات وصف اللّه فيهم * لهم في الذات لذّات عوالي ( در ورمز في بحر لغز ) سافر الغريب المعبر عنه بروح إلى أن بلغ العالم المعبر عنه بيوح ، فلما وصل إلى ذلك السما قرع باب الحمى ، فقيل له : من أنت أيها الطارق العاشق ؟ فقال : عاشق مفارق أخرجت من بلادكم وأبعدت عن سوائكم ، فقيدت في قيد السمك والعمق والطول والعرض ، وسجنت في سجن النار والماء والهواء والأرض ، وقد كسرت القيد وأتيت أطلب خلاصا من السجن الذي فيه بقيت ، فالغارة الشعواء أيها العرب الكرام فليس إلا أنتم للأسير المضام . قال الراوي :

--> ( 1 ) آية ( 4 ) سورة الحديد .